
فـيـروز الفلسطينيـة
فـيـروز الفلسطينيـة
السفير اللبنانية ملحق فلسطين – العدد 12
صقر أبو فخر
|
ثمة خيط ظاهر وخفي، ربط فيروز وعاصي الرحباني بفلسطين، ولعل مجموعة الفلسطينيين التي أسست «إذاعة الشرق الأدنى»، كانت سبباً في انتماء فيروز الغنائي والعاطفي إلى فلسطين. وكان بين عناصر هذه المجموعة حليم الرومي، وصبري الشريف، فضلاً عن لبنانيين عاشوا في فلسطين، أو عملوا في إذاعة القدس وإذاعة الشرق الأدنى، أمثال فيلمون وهبي الذي بدأ مطرباً في إذاعة الشرق الأدنى في يافا.
كانت فلسطين معبراً للشوام الذاهبين إلى مصر، او للمصريين الذاهبين إلى الشام. ومع ان فلسطين تقع في قلب الشام، إلا ان موقعها الجغرافي أكسبها مكانة الجسر الثقافي بين مصر والشام، وملتقى أبناء المشرق العربي الذين اتخذوا من مدنها الساحلية، ولا سيما يافا، مقراً لتجارتهم وملاهيهم، ومن باب العلم، فإن الإذاعة الفلسطينية في القدس كان لديها فرقتان: فرقة الأوركسترا، تحت قيادة يوسف بتروني، وهو من أصول لبنانية، والفرقة الموسيقية بقيادة يحيى اللبابيدي، وهو من أصول لبنانية أيضاً. وبعد انفراط عقد «إذاعة الشرق الأدنى» جراء العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956 توزع العاملون فيها على العواصم العربية، فجاء إلى لبنان رياض البندك، وفرح الدخيل، وعبد الكريم قزموز، وميشال بقلوق، وإحسان فاخوري، وحنا السلفيتي، وفريد السلفيتي، ثم المطرب محمد غازي، وعازف القانون البارع عبود عبد العال. وهؤلاء أسهموا، إسهاماً مشهوداً، في نهضة الأغنية اللبنانية، وأوجدوا مناخاً فنياً رفيعاً تأثر به الرحابنة أيما تأثر. أما صبري الشريف، فهو الذي تولى إدارة وإخراج أعمال الرحابنة في أواخر الخمسينيات، وطوال عقد الستينيات من القرن العشرين. ومن دون صبري الشريف ما كان في إمكان أعمال الرحابنة أن تكون على مثل ذلك البهاء والإتقان. وفي هذه الحقبة العابقة بالإبداع، ظهرت بالتدريج الأغاني الفلسطينية لفيروز، التي ما زالت، حتى اليوم، حاضرة في الوجدان الجمعي الفلسطيني والعربي. يروى ان حليم الرومي هو الذي منح فيروز بداية الطريق بعد أن اكتشفها الموسيقي محمد فليفل. وحليم الرومي فلسطيني الأصل، واسمه حنا عوض البرادعي، وقد ولد في فلسطين ودرس في معهد فؤاد الأول للموسيقى بالقاهرة على حساب حكومة فلسطين، وتخرج في سنة 1939 وعاد إلى فلسطين ليعمل في إذاعة الشرق الأدنى، ولم يغادر فلسطين إلا بعد النكبة في سنة 1948، ثم جاء إلى لبنان في سنة 1950. أما الأخوان رحباني فقد بدأت علاقتهما بإذاعة الشرق الأدنى (الفلسطينية) في سنة 1949، وهي السنة التي تقاطر على هذه الإذاعة كل من نجاح سلام وفيلمون وهبي وزكي ناصيف وصابر الصفح وعفيف رضوان (من لبنان)، ومحمد محسن وعازف القانون فؤاد البزري وعازف البزق العبقري محمد عبد الكريم (من سوريا)، وهؤلاء أسسوا لاحقاً النهضة الغنائية في لبنان، التي كان لفيروز فيها مكانة لا تضاهى. وفيروز المولودة في زقاق البلاد في بيروت في 21/11/1935 لوالد سوري مهاجر من بلدة ماردين، ولوالدة لبنانية تدعى ليزا البستاني، شاءت أقدارها أن تقف أمام لجنة فاحصة مؤلفة من حليم الرومي (فلسطيني) وخالد أبو النصر (سوري) ونقولا المنّي (لبناني) لتبدأ رحلتها الباهرة في عالم الفن الرفيع. *****
أنجز الرحابنة منذ سنة 1954 فصاعداً عدداً من الأغاني لفلسطين، مشبعة كلها بالحنين والتحدي والغضب، وأودعت فيروز في أغنياتها الفلسطينية ذروة ما جاد به صوتها من الغناء. ولهذا اعتقد كثير من الفلسطينيين أن فيروز فلسطينية، ونسجوا حولها سيراً مختلفة. فتارة جعلوا ميلادها في شفاعمرو، بحسب رواية المناضل داود تركي، التي أخبرني إياها بالهاتف من حيفا، قائلاً انه يعرفها، ويعرف شقيقتها هدى. وتارة أخرى جعلوا مكان ولادتها في الناصرة… وهكذا. وكان ذلك يعكس عشق الفلسطينيين لها وتعلقهم بها. |
:
أبو عمر الفلسطيني .. يعقّب
نعم… هي قضية كل عربي
رداً على رد الأخ بندر خليل، المنشور في «بريد محلي»، على مقال الكاتب «حزام العتيبي»، بتاريخ «16 شباط (فبراير) 2012»، تحت عنوان «القضية الفلسطينية… ليست قضية الفلسطينيين».
أحب أن أسجل بعض الملاحظات حول هذا الموضوع:
- الأمر مرفوض أن يهين أي عربي أخاه العربي، خصوصاً في بلاد الغربة وبالأخص المرضى.
- الشعب العربي الفلسطيني «ولي الشرف العظيم أن أكون واحداً منه»، أقول بأن الشعب الفلسطيني مثله مثل أي شعب آخر، شعب فيه الصالح والطالح، فيه الظالم والمظلوم، فيه المتعلم والجاهل، فيه العاقل وغير العاقل أيضاً، فيه المجاهد وفيه الجاسوس… وهكذا، أي وبالقلم العريض الشعب الفلسطيني مثله مثل أي شعب آخر «شعب ليس نازلاً من السماء، أي أنه ليس شعباً ملائكياً».
- الى من أقسم بالله أنه قد يعلن حبه لإسرائيل قريباً، أنصحه بألا يفعل، فلا يجعل الغضب من إنسان أن يوقعه بالمحظور، وأذكره بقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) سورة المائدة – آية 51. كما أن أنبياءهم «أنبياء اليهود» لعنوهم، فقد قال الله تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).
- أريد أن أورد ما سجله التاريخ عن الفلسطينيين في المملكة العربية السعودية، وهذه المعلومات يمكن لأي شخص أن يتحقق منها:
كان الفلسطينيون في مقدمة من عمل في قطاع النفط السعودي، وقد طالب أول وزير نفط سعودي، وهو عبدالله الطريقي، بمنحهم الجنسية السعودية في أول اجتماع وزاري حضره في الرياض، ومن هؤلاء الأشخاص السادة خضر حرز الله، وفاروق الحسيني، وجواد السقا، وحسن تيم، وعاطف سليمان، وهناك الكثير من رجال الأعمال السعوديين الكبار ينحدرون من أصل فلسطيني منهم: عبد الغني العجو، رامي أبو غزالة، عمر العقاد، صبيح المصري، علي سعد الدين، أحمد الحاطي، وليد الكيالي، «آل جمجوم»، وهم معروفون في جدة والسعودية كلها، وهم من جذور فلسطينية، آل جميل السعدي ، وهو من أصول فلسطينية، وصل جدة من قرية كفر زيباد في فلسطين زمن العثمانيين، وهو الشيخ محمد السعدي، وكان عين قاضياً لبندر جدة وبقي خلفه هناك.
- نعم القضية الفلسطينية هي قضية كل عربي وكل مسلم، ويكفي أن مؤسس وموحد المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، وأولاده من بعده دائماً يعلنون وعلى الملأ بأن قضية فلسطين والقدس هي قضيتهم الأولى، وشغلهم الشاغل، ولا توجد مناسبة محلية أو دولية إلا وكانت قضية فلسطين ماثلة أمامهم مدافعين عنها.
وأحب أن أوجه الأخوة جميعاً لمشاهدة كلمة الملك فيصل، رحمه الله تعالى، على «يوتيوب» عن تمسكه بتحرير فلسطين والأقصى حتى لو كلفه ذلك حياته.
كلي أمل من الجميع عدم التعميم بالأحكام على الناس، فأصابع اليد ليست واحدة في الشكل.
*فلسطيني مقيم بالسعودية
القضية الفلسطينية… ليست قضية الفلسطينيين
رداً على مقال الكاتب «حزام العتيبي»، المنشور في «الحياة»، بتاريخ «8 شباط (فبراير) 2012»، تحت عنوان «عربي يهين مرضانا… في ألمانيا».
قرأت ما جاء في مقال «حزام العتيبي» المنشور في «الحياة»، والذي ذكر فيه أن مترجماً فلسطينياً قام بإهانة المرضى السعوديين «ممن لا يجيدون لغات أجنبية، وهو مجرد مترجم متعاون في ألمانيا لخدمة المرضى السعوديين، يقبض أجره لقاء ذلك، ولا يقوم بعمله متطوعاً من أجل سواد عيون السعوديين».
قرأت مقال هذا الرجل عن طريق المصادفة من خلال صفحة أحد الأصدقاء في «فيسبوك»، شدني العنوان التراجيدي فأخذتني يدي إلى المقال على صفحة صاحبه، فوجدته معلقاً على زميله هاني الظاهري، مقسماً بالله أنه قد يعلن حبه لإسرائيل قريباً. وقوله «إن الشعب الفلسطيني أحرقوا الكويت، ودمروا لبنان، وعاثوا في تونس فساداً، وامتصوا خيرات السعودية ثم لعنوها!»، ثم قرأت المقال حتى انتهيت بقوله «كفرت بكم وبقضيتكم»، يعني الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، فاشتعل شيء عميق في قلبي.
وأخذت أتساءل كيف لهذه الأحقاد أن تجتمع في إنسان عربي حتى تجعله يكفر بأم القضايا، بسبب تصرف فردي؟ مهما كان ذلك التصرف الذي قام به المترجم الفلسطيني، ومهما كانت أسباب الغضب، كيف لنا أن نبرر هذا الموقف، بل كيف لنا أن نفهمه.
يحدث كثيراً في الخليج، وفي باقي الدول العربية أن تجد من يحاول (بوعيٍ منه أو من غير وعي) أن يبدد أو يختزل، معنى القضية الفلسطينية في انقسامات الكيان السياسي الفلسطيني، وما يجره من نزاعات تخلخل مكامن القوة لمصلحة المحتل. وهناك أيضاً من يحاول قراءة القضية السامية نفسها من خلال ما يواجه في حياته من الناس، فلربما كفر بالقضية بسبب معلم فلسطيني قاسٍ، أو مترجم سيئ في مستشفى ألماني.
هذا التسطيح للقضية الفلسطينية ليس غريباً، ولم يكن في يوم من الأيام كذلك، ولعله من أهم دوافع المحتل للتمادي ثقافياً وسياسياً على أرض الواقع، وهو نابع من العقليات البسيطة وكفى ولن أذهب إلى المخططات والمؤامرات.
لكن الأمر ليس كذلك أبداً، القضية العادلة لا يمكن التنازل عنها، لأن هناك «فتح» في مقابل «حماس»، فهناك أيضاً أرض وهناك أقصى وثقافة ومكتسب تاريخي، وقبل كل شيء إنسان فلسطيني لا يتوقف نزيفه منذ عشرات السنين.
إن القضايا العادلة لا يمكن أن تسقط يوماً بسبب سقوط أحد من أصحابها! وهو ما لم يؤمن به الأخ حزام، كما يبدو، ثم إن القضية الفلسطينية قضية إنسانية كبرى لا تؤدلج أو تسيّس، هكذا هي القضية في أصلها، فضلاً عن أننا نشارك الشعب الفلسطيني اللغة والتاريخ والثقافة والجرح أيضاً، فطرده من أرضه بالضرورة هو طرد لنا، وطمس هويته وتهويد مقدساته بالضرورة هو أيضاً طمس لهويتنا وتدنيس لمقدساتنا.
أعود لأقول إن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية وقضية أممية، وسعودية أيضاً، فمنذ بدء تكون هذه الدولة، استشعرت القيادات السعودية حساسية هذه القضية ومحوريّتها، فتجلت مواقفها التي تعتبر القضية الفلسطينية قضية جميع العرب والمسلمين في الكثير من الأحداث من المشاركة العسكرية، وحتى خطاب الملك فيصل الشهير، ومواقف أخوته من بعده، من القضية المحورية العادلة!
عشرات بل مئات الصور انهالت عليّ وأنا أقرأ ما قاله حزام العتيبي بخصوص القضية الفلسطينية، لم أتخيل يوماً أن أقرأ ما قرأته في صحيفة عربية، لقد أعادت ذاكرتي شريط المآسي منذ أعوام 46 ـ 47 – 48 – 49، إلى عام 2007 حين احتفل الصهاينة بذكرى مرور 60 عاماً على خيبتنا… خيبتنا العربية طبعاً، التي نشترك فيها جميعاً ولا يتحمل مسؤوليتها الفلسطيني وحده، بحيث ليس من المروءة أن نشتمه اليوم لأنه تعرض وحده إلى الخيبة التي اشتركنا جميعاً في صناعتها، ما جعله مواطناً في أوطان لا تعترف به، لأنها آمنت بالحدود أكثر من الإنسان.
وعن نفسي فإنني أعتذر للأمة عن هذا التعبير الذي خان «حزام» في قوله «كفرت بقضيتكم»، لأنها ليست قضيتكم فقط، بل قضيتي وقضية كل إنسان، وكل إنسان عربي لا يفرط في دماء أبناء جلدته التي سفكت ولا تزال وبالمجان، كل عربي وكل إنسان يرفض المحتل والرضوخ للغزو مهما كانت آلته وقوته، قضية كل إنسان يؤمن بأن القدس، عروس عروبتنا… التي باتت عروس الإنسانية جمعاء.
كما أعتذر لأبي الذي مات وفي إحدى قدميه طلقة إسرائيلية، أعتذر له ولكل من قدموا أرواحهم فداء للوطن والكرامة، وهنا أتذكر ما قاله صلاح الدين في الفيلم الشهير «مملكة الجنة»، أو «مملكة السماء»، حين سأله أحد الصليبيين بعد انتصاره عليهم، ماذا تعني لكم فلسطين؟ فأجابه : «لا شيء، وكل شيء»!
ولعله من الموضوعي في هذا المقام أن أكون عاطفياً أنا وما أطرحه في صدد الرد أو التعقيب على حزام العتيبي، ففلسطين أعدل القضايا الكونية، وشخصياً أعتبر إيماني بها وبعدالتها هو إيمان بنفسي وبحقي في الوجود وفي الحياة الكريمة، هذا كل ما في الأمر.
آخر العابرين – فالح مشهور
شعر : فالح مشهور*
للنوارس ملح أصابعي
ولدمي أجنحة الكلام
عابر في زمني
وكل العابرين خلسة غرقوا فيّ
للنوارس قمح خطاي
وما غيرها في دمي وأنا
ما فاق آخر الأيام حتى أفيق منك
وما تثاءبت روحي لمطر الليل
قبل أن تتدفق في عروقي أنفاسك
قالتها
وغسلت وجه حروفي بحنطة جسدها!
للنوارس فضاء يدي
وأنا آخر الكلام
عابر في زمني لآخر الغد
وما تبللت شفاه الطريق بسواي وما كنتِ آخري
ولي أنثى الكلام
وما قبل جبين كفي غير يد الصباح
وما تلوت غير خمسة أشهر صيام وما لي غيري
للنوارس أناشيد الوصال
ولأمي هالة العشق الأولى
وأنا من دق الهوى أسمر لابتهال الزعفران
ودمي رحيق المساء
عابر في زمني على ظهر الكلام والشمس اعتذاري
للنوارس سنابل الغياب ولي عطش الحضور
عابر في صمتي لأول النشيد ومطر الأغنيات
لي النهار رمحا وظنون الريح في صدر الحكايات
عابر في زمني
والأشياء لا تأتي كما هي
للنوارس ماء أصابعي
ولأمي شهقة البكاء الأولى
ولأول القادمين سيف النهاية
ولي ورد الكلام
وأنا آخر العابرين.
*شاعر سعودي




